التفاوض... اللعبة الممتعة!

يدخل التفاوض في كل جزئية من جزئيات حياتنا ولا يقتصر على عالم التجارة والأعمال، هو محور العلاقات البشرية على تنوعها واختلافها، هو عصب المجتمع السياسي، ورأس عالم التجارة والأعمال، ونبض الحياة الاجتماعية.

التفاوض Negotiation هو عملية يمتلك فيها الطرفان حق رفض النتيجة النهائية، إنها عملية أخذ ورد يتوصل الطرفان المشتركان بها في النهايه إلى اتفاق معين بصيغة معينة. ويمكن وصفها على أنها عملية مساومة للوصول إلى هدف أو اتفاقية مقبولة من كلا الطرفين وتتطلب حراكاً في كلا الاتجاهين.

يشبه التفاوض في بعض جوانبه لعبة الشطرنج حيث يكون أحد الطرفين مهيّئاً للتضحية ببعض القطع في سبيل كسب اللعبة؛ على رقعة الشطرنج أنت ترى القطع وتتحرى تحركاتها ولكنك لا تعرف ما يجول في خلد اللاعب الآخر. وهذا هو الحال في عملية التفاوض، أمامك معطيات ولكنك لا تعرف ما يدور بخلد الطرف الآخر، فعليك أن تطور من خططك لتكتشف خطط خصمك.

التفاوض من أهم الجزئيات التي تقوم عليها أي علاقة تجارية في أي مرحلة من مراحلها، سواء كانت علاقة مع الممولين أو الزبائن أو الشركاء أو الموظفين... هذا عدا عن دوره الهام في حياتنا اليومية على الصعيد الأسري أو علاقات الصداقة أو حتى علاقاتنا مع من نحتاجهم في تلبية خدماتنا اليومية: الطبيب، المحامي، الصنّاع أصحاب المهن الخدمية على تنوعهم،البقال، الجزار، عامل التنظيفات.... في الحقيقة حياتنا كلها مفاوضات.

استراتيجيات التفاوض الأربع:

في كتابهما "كل شيء قابل للتفاوض" وضع إيريك شوبيك ولاري كيلي Everything’s Negotiable الاستراتيجيات الأربع للتفاوض ، التي يمكن لكل مفاوض توظيفها بما يتناسب مع وضعه التفاوضي.

الربح المتبادل win- win:

• الموضوع المطروح يهمك.
• أنت تقدّر علاقتك بالطرف الآخر.
• لديك وقت كاف للبحث عن طريقة ترضي جميع الأطراف.

ربح- خسارة win- lose:

• الموضوع المطروح يهمك.
• الحفاظ على علاقتك مع الفريق الآخر ليس أمر ذو أهمية.
• لديك وقت كاف لهزيمة الطرف الآخر.
• لا يمكنك أن تستخدم استراتيجية الربح المتبادل، لأن هذا يعطي فرصة للطرف الآخر للنيل منك.

خسارة- ربح Lose- Win:

• الموضوع المطروح لا يهمك.
• أنت تقدّر علاقتك بالطرف الآخر.
• أنت تعاني من ضغط زمني وتريد أن تنتهي بسرعة.

خسارة – خسارة Lose- Lose:
• الموضوع المطروح لا يهم أي من الطرفين.
• يمكنك أن تبني علاقة تقوم على معاناة مشتركة. تكاليف الوقت والصفقات هي الاهتمامات الرئيسية.

لماذا الربح المتبادل Win- Win؟

"الربح المتبادل"، وهو المبدأ الذي نسعى من خلاله إلى تحقيق أفضل المكاسب مع إدراكنا بأن مراعاة مصالح الآخرين تخدم مصالحنا بشكل أفضل، أي أن الفائدة الحقيقية لا تتحقق إلا عندما يشعر الطرفان بأنهما رابحان. على أن التفاوض الجيد لا يعني أن يتم كل شيء بطريقتك الخاصة، وإنما يجب أن يقوم على التوازن.

أنت لا تذعن لنظيرك بطريقة استسلامية ولا تسمح له بالحصول على كل ما يريد لأنك أنت أيضاً تمتلك طموحات خاصة تسعى لتحقيقها. وهذا يعني أن المطلوب هو التحرك من الطرفين لتوليد الربح المتبادل، مع ذلك تبقى استراتيجية الربح المتبادل أفضل استراتيجيات التفاوض، فإذا توجهت في تفكيرك نحو هذه الاستراتيجية فلا شك أنك ستكون حينها أكثر تأثيراً وأقل توتراً وأفضل حالاً ليس على طاولة المفاوضات فحسب، بل على المدى الطويل أيضاً.

ولكن هل تصلح استراتيجية Win- Win في جميع الحالات؟

بالرغم من أنه سيكون من الجيد بالنسبة لكلا الطرفين أن يربح في كل مفاوضة يدخلها، إلا أن استراتيجية "الربح المتبادل" win-win ليست ممكنة في كل نوع من أنواع التفاوض. في بعض الأحيان قد تختار الخسارة. هنا قد تتساءل لماذا تذهب إلى مفاوضة قد تكون أنت فيها الخاسر؟ عد بذاكرتك إلى فعالياتك اليومية، كم مرة في اليوم تجد نفسك مضطراً للتفاوض في مواضيع هي في معظمها من المستوى الثاني أو الثالث؟

إلا أن مواضيع هذين المستويين لا تكون عادة على جانب كبير من الأهمية لذلك قد تجد أن إتباع استراتيجية الربح المتبادل هي محاولة لا تستحق بذل الجهد والمال، بل وقد تختار أن لا تدخل اللعبة أصلاً. على سبيل المثال قد تتخذ قراراً بأن لا تتعهد مشاريع استشارية مع زبائن صعبين، فبالرغم من أن المكافأة المالية قد تبدو مغرية، إلا أن التكاليف الباهظة التي يفرضها ضغط التعامل مع أفراد كهؤلاء، والوقت المستغرق في التعلّم للتعامل معهم، والإحباط العام الذي قد يسود الجو يقلل من قيمة الجائزة أو المكافأة المنتظرة.

كذلك قد يكون من الأفضل لك أن تنتهج استراتيجية الخسارة عندما يكون أمامك موعداً نهائياً محدداً لا يمكنك أن تفي به في حال إتباعك حل "الربح المتبادل".


تذكّر دائما:

المفاوضات تستهلك الكثير من الوقت والجهد والموارد المتاحة بما فيها الموارد المالية
وعليك أن تضع هذه التكاليف في كفة ميزان مع الفوائد التي يمكن تحقيقها مع الفوز بعملية التفاوض



ومع الزبون الساخط؟ The disgruntled customer:

مع الزبون الساخط قد تختار الخسارة أيضاً، إذا كنت تريد أن توجه جهودك إلى مواضيع أكثر أهمية من الوضع الذي وجدت نفسك فيه وأمامك الخيار في دخوله كمفاوض، فقد تفضل أن تتبع استراتيجية “Lose – Win”. المثال التقليدي هنا هو التعامل مع الزبون المستاء أو الساخط. من أوائل الكلمات التي حفظناها عن ظهر قلب في عالم التجارة: "الزبون دوماً على حق" إذا كنت من متبني هذا المبدأ – ولا شك أنك كذلك- فأنت خاسر عندما يطلب الزبون تحقيق جميع رغباته بغض النظر هل هو على حق أم لا.


بعض القواعد الأساسية في الطريق Some basic rules:

يمكنك أن تجد العديد من الكتب الجيدة التي تبحث في التفاوض، ولكنها جميعاً تشترك في قواعد عامة أو بالأحرى تجمع على مجموعة من القواعد العامة المشتركة في كل مفاوضة حقيقية:

• لا تقل نعم لأي عرض تسمع عنه للمرة الأولى، حتى لو كان جيداً جداً- بل وخاصة إذا كان جيد جداً.

• لا تتفاوض مع نفسك مطلقاً. بعض الأفراد يواجهون بالصمت بعد أن يقدموا عرضهم. استشعر ضرورة تعبئة الفراغ باستجرارهم للكلام. غالباً ما يلجأ الطرف الآخر لرفع أسعاره أو تصحيح وجهة نظرك، حتى أنه من المحتمل أن ينهي التفاوض لأنه استنفذ آخر عناصر القوة لديه.

• لا تخش من قول "لا". عكس "لا" كلمة "نعم". في التفاوض لا يوجد شيئاً بين "لا" و "نعم"؛ ما عليك أن تدركه هو أنه من المؤكد أنك لن تخسر إذا قلت لا.

• تعامل فقط مع الفرد الذي يمتلك اتخاذ لقرار. عندما تذهب لتشتري سيارة ، فغالباً ما ينهي رجل المبيعات حواره معك بقوله: "لا بد أن أرجع إلى المدير" هذا يمنح الاثنين فرصة إضافية لمناقشة الصفقة. سيطر على الصفقة من خلال توجهك مباشرة إلى صاحب القرار.

• كل شيء قابل للتفاوض. لا تحاول أن تظهر بمظهر غير ودي من خلال الوثائق الرسمية التي تصطحبها معك وتتضمن بنوداً حديدية.

• لا تبني على بتصرفات الطرف الآخر. إذا وصل الطرف الآخر متأخراً إلى طاولة التفاوض، أو إذا بدا لك وكأنه غير مهتم، فلا تفترض أن هذا يعكس عدم اهتمامه بالموضوع المطروح، قد يكون الطرف الآخر يريدك أن تذهب بتفكيرك هذا المذهب.

• إذا كنت ممن لا يستطيعون السيطرة على أعصابهم أثناء عملية التفاوض، فانتدب غيرك لدخولها نيابة عنك. الصراخ والتعصيب لا يمكن أن يأتي بنتيجة مفاوضات مرضية.

• لا تتكلم حول صفقة في غرفة فارغة، أو في المصعد أو في الردهات، ربما يكون هناك من يستمع دون أن تلقي له بالاً.

• يتطلب التفاوض الكثير من المرونة، إذا لم نتصرف بمرونة فعلينا أن نتوقع أن يقابلنا الطرف الآخر بالمثل. بمعنى آخر، لن يخدمنا عرض مواقع القوة التي نمتلكها، ورغبتنا في الظهور بمظهر صلب في جلسة التفاوض، لأن ذلك سينعكس علينا سلباً ويُظهرنا بمظهر القلق، وهذا ما يعني تسجيل نقطة لصالح الطرف الآخر.

• الالتزام مبدأ ضروري تحتاج إليه عملية التفاوض، بل ويعتبر من أساسياتها، فلكي تكون عملية التفاوض فعالة وتؤتي ثمارها يجب أن تأخذ منحى الجدية من أجل تحقيق النتيجة المرجوة منها، فليس هناك أنصاف حلول في هذا الأمر. لا بد أن تتعامل مع الموضوع/ المواضيع المطروحة على مائدة التفاوض بمنتهى الجدية وتتجنب التظاهر باللامبالاة لأن الآخرين سيعاملونك بالطريقة نفسها.
منقول للإفادة