التشكيلية والفنانة الفوتوغرافيةرنا السقا:
الكاميرا تُصلح خطأ العين أحياناً، وتعطيك رؤية مختلفة، لأنها ترى ما لا تراه العين المجردة!!
عمان - شيما برس:
سوف تظل المجتمعات الحديثة بحاجة إلى مصورين يعرفون كيف يجسدون الواقع المرئي في ذكاء وبراعة، فالصورة ليست فقط بصمةً من الواقع وأثراً من آثاره، لكنها تشبه هذا الواقع أيضاً.
الاردنية رنا السقا ليست فنانة تشكيلية فحسب، بل هي فنانة فوتوغرافية أيضاً عرفت كيف تستثمر التشكيل في الصورة الفوتوغرافية، أو بالأحرى كيف تدمج هذا في ذاك، إذ تحوّلت كاميرتها إلى «مجهر» غاصت به في أعماق المظاهر الطبيعية فاستكشفت الصخر، أوّل مكونات هذا الكون البديع، لتكتشف أن هذا الصخر الأصم ليس مجرد تكوينات جيولوجية تتعرض للتأثيرات المناخية عبر العصور، بل هو أيضاً تشكيلات إبداعية متناغمة الخطوط والألوان والإيقاعات، شريطة أن نسبر أغوار هذا الصخر، ونستكشف ثناياه، ونحسن قراءة رسائله.
الصخرة أقدم كائن في هذا الكون، تُغيّرها الرياح والأمطار وعوامل الطبيعة المختلفة، لكن جوهرها يظل محتفظاً بسره وكنوزه، لأنه الشاهد على تاريخ الإنسان وأحداثه وتطوراته، هذا ما حاولت فنانتنا أن تصل إليه، وهذا ما تميزت به، وحسبنا أن نشاهد ونتأمل صورها، أو بالأحرى «لوحاتها التشكيلية الفوتوغرافية» لنكتشف أن الطبيعة سبقت الفنان التشكيلي في تدوين الحياة ورسمها، بتقنيات فائقة قد لا ترقى إليها يد هذا الفنان مهما أوتي من موهبة وطاقات.
تحت عنوان «حياة صخرة» أقامت الفنانة الأردنية الفوتوغرافية والتشكيلية الأردنية رنا السقا مؤخراً، بمركز الحسين الثقافي بعمان، معرضاً فوتوغرافياً متميزاً. وقد ضم هذا المعرض الذي رعاه وزير الثقافة الأردني الدكتور عادل الطويسي، 30 صورة فوتوغرافية التقطتها الفنانة رنا في مخيم الإبداع الثقافي الثامن الذي نظمته وزارة الثقافة في شهر أيار الماضي في منطقة البتراء ووادي رم بالأردن، حيث شاركت في ذلك المخيم مع عدد كبير من الفنانين التشكيليين والشعراء والموسيقيين. وقد أكدت لنا السقا خلال المعرض «إن هذا المعرض ترجمة لإنجازات المخيم الإبداعي، وتوثيق للمكان الأردني عبر الصورة، باعتماد الأسلوب التجريدي وليس الأسلوب التوثيقي التقليدي». وقد أضافت في هذا الصدد «ركزتُ في معرضي هذا على جماليات التشكيلات الصخرية الطبيعية في البتراء ووادي رم، والتي تجسد مراحل عمر هذه الصخور عبر الأزمنة المختلفة، وإبراز العالم اللوني الرائع في تلك التشكيلات الفنية الطبيعية، والتي لا تملك عدسة الكاميرا سوى التوقف أمامها لتوثيقها بالغوص في عالم الصخرة الخفي.
بمناسبة هذا المعرض الذي سبرت فيه رنا السقا بعين الفنان المبدع، روح الصخر وأسراره وجمالياته، كان لنا هذا الحوار.
٭ ما تعريفك لفن التصوير؟
- التصوير هو الكتابة بواسطة الضوء، هذا هو التعريف الايثيمولوجي للتصوير، أما التعريف الثقافي فهو: التصوير وسيط بين المصور والمشهد والمتفرج، ناهيك عن أن التصوير وسيط بين الحاضر والماضي والمستقبل، فالصورة شاهد على الماضي والحاضر، لذلك يستمسك بها الناس ويحبونها وهي جزء من ذاكرة الإنسان.
٭ الصورة جماليات وتقنيات وتيارات فكرية ما رأيك في وجهة النظر هذه؟
- هذه هي وظيفة المصور البارع، العاشق لهذا الفن، هناك الصورة التماثلية (الفضية) التقليدية، وسميت بالتماثلية لأنها تماثل الواقع. وهناك الصورة الرقمية المتطورة التي تضفي على الصورة آفاقاً تقنية لا حد لها. وهذا أمر يمكن لأخصائيي تقنيات التصوير أن يتحدثوا فيه كثيراً، أما التيارات في التصوير فهي عديدة، شأنها في ذلك شأن سائر الفنون الأخرى، وتدخل في سياق فلسفة التصوير ومدارسها المختلفة، ويبقى أن الصورة تظل هي الصورة الملتصقة بجوانية الإنسان وذاكرته وحبه اللاواعي والغريزي لتخليد اللحظة الحاضرة.
٭ كيف ولدت عندك هواية التصوير؟
- أنا عاشقة لفن التصوير منذ الطفولة، في السابق كنت هاوية كغيري ممن تستهويهم الصورة الفوتوغرافية، كنت لا أهتم إلا بالمشاهد العامة، والصور التذكارية التي ألتقطها في الرحلات، أو في المناسبات العائلية، أو مع الأصدقاء. فن التصوير كان عندي مجرد توثيق، لا إبداع فيه، لكنني مع مرور الزمن اكتشفت في داخلي رغبة في أن أستكشف عوالم أعمق فصرت أقول لنفسي: «يجب أن يكون لي شيء مميز يبوح بفكر مميز». بعد التحاقي بجمعية التصوير الأردنية تبلورت موهبتي في التصوير، واستفدت كثيراً من تجارب زملائي. هنا بدأت تجربتي الجديدة في التصوير الابداعي الذي يشبه فن الغرافيك.
٭ صورك الفوتوغرافية أشبه بلوحات تشكيلية.. لماذا؟
- لأن الذي تراه عين الكاميرا لا تراه العين المجردة. إنه الغوص في أعماق الطبيعة. في البتراء ووادي رم تحديداً عالم من هذه التشكيلات البصرية، بالإضافة إلى المخزون الإبداعي في الآثار الصخرية عندما نشاهدها على نطاق أصغر أو «منمنم». في قلب هذه الصخور حاولت أن أبحث عن كنوزها المختفية، التي لا يمكن أن نراها بالعين المجردة. وهكذا، في قلب هذه الصخور اكتشفت تشكيلات عجيبة بديعة، إذا أنت رأيتها على الصورة خلتها لوحات تشكيلية أبدعها فنان بارع مبدع. فمن ينظر إلى هذه الصور يكتشف إبداعا في الطبيعة قلما اهتم به الانسان.
٭ وهذا ما تميزت به، حسب رأي النقاد والصحافيين، ومن زاروا معرضك. فما هي الصورة الإبداعية في رأيك؟
- التصوير الإبداعي، عندي، يشبه فن الغرافيك. هناك التفاعل البصري والحسي العميق. في هذه الصور توجد تشكيلات فنية فيها كل مقومات التكوين الفني، أي عناصر الفن التشكيلي، فمن ينظر إلى هذه الصور الفوتوغرافية يخالها لوحات تشكيلية.
٭ بالفعل، وأين اكتشفت هذه التشكيلات؟
- البتراء ووادي رم يحتويان عالماً واسعاً وزاخراً من هذه التشكيلات البصرية، بالإضافة إلى المخزون الإبداعي في الآثار الصخرية، حين نستكشفها على نطاق أصغر. في قلب هذه التشكيلات التي لا تُرى بالعين المجردة إبداع وجودي حقيقي. كنوز مختفية تنتظر العين التي تراها وتلقطها وتدونها وتكشفها للناس، في هذه التشكيلات لمست الذاكرة التاريخية. ارتباط الإنسان بالصخور، هنا في هذه الأماكن علاقة تفاعلية قلما نجدها في أماكن أخرى.
٭ العالم مليء بالكنوز... ما رأيك؟
- حقاً. لو أخذت قطعة حديد صدئة وتأملتها بعين ثاقبة ستعطيك عالَماً من التشكيل. الخشب، لو غصت فيه لرأيت أنه يخفي كنوزاً من التشكيلات الرائعة المذهلة. الصخور تزخر بكنوز تشكيلية وبجماليات لا حد لها. المهم أن تتعوّد العينُ على التقاط هذه المناظر الخفية الرائعة. العلم بعيونه المخبرية العديدة يعرف هذا، لكن عين الفنان قلما سبرت هذا العالم ونادراً ما غاصت في أعماقه الجميلة العجيبة. الصورة الفوتوغرافية الإبداعية يجب ان تكون مجهراً فنياً.
٭ أتعتقدين أنك أضفت شيئاً للفن؟
- عالم الفن واسع ولا حدود له، من ناحيتي اكتشفت أنّ الفن واحد وإن تعددت أشكاله، اكتشفت أن التصوير والتشكيل وجهان لعملة واحدة.
٭ هل الكاميرا صادقة في التعبير عن الحقيقة، أي هل تنقل بصدق ما تراه العين؟
- الكاميرا تُصلح خطأ العين أحياناً، لأنها قد ترى ما لا تراه العين المجردة. الكاميرا تعطيك رؤية مختلفة عن صورة العين. إنها تساعدك على اكتشاف الخطأ الذي لا تراه العين المجردة.
٭ الكاميرا إذاً أكثر من مجرد آلة ناسخة للواقع؟
- الكاميرا وسيط بين المشهد والمصور. العلاقة ثلاثية. أنا لا أحس الكاميرا مجرد آلة طيعة في يد الفنان المصور، هي جزء مني، أرى من خلالها وأحس من خلالها. أحيانا أمسك الكاميرا لكي أصور مشهداً معيناً فإذا بالكاميرا تقاوم في يدي. وكأنها ترفض التقاط الصورة، في النهاية أكتشف أنها ترفض بالفعل التفاعل مع ذلك المشهد، فأحس بالانزعاج والقلق، وأدرك في الأخير مدى الحميمية التي يمكن أن تنشأ ما بين الكاميرا والمصور. وكأن هذه الكاميرا تقول لي: «لا!». في هذه الحميمية التي لا يفسرها يكمن الإبداع الحقيقي.
٭ هل تبررين صورك الفوتوغرافية؟
- لا أصور شيئاً ثم أبحث بعد ذلك عن مبرر، الصورة تبرر نفسها بنفسها فهي تثبت حالها من تلقاء نفسها، لذلك لا أسمي لوحاتي، أي لا أضع عليها عنواناً. وللمشاهد أن يقرأها كما يشاء ويحس، الصورة الإبداعية مثل اللوحة التشكيلية، قابلة لقراءات عديدة، تختلف باختلاف العين التي تشاهدها، وباختلاف الروح التي تستوعبها. وهنا سر الجمال في كل شيء. لأن الصورة العادية وحدها هي التي قد لا تقبل سوى قراءة واحدة لأنها تنقل الواقع كما تراه العين المجردة، لكن الصورة الابداعية تثير فيك إيحاءات كثيرة فتجعلك تستوعبها ليس بحس النظر وحده بل بكافة حواسك، بما في ذلك الحاسة السادسة التي نسميها الحدس. فتصور!
٭ ماذا كان رأي الذين شاهدوا لوحاتك الفوتوغرافية؟
- 80٪ ممن شاهدوا معرضي رأوا ما رأيته، رأوا أشكالا إبداعية انبهروا لجمالها كما انبهرت أنا حين اكتشفتها لأول مرة.
٭ كيف تختارين صورك؟
- أختارها بشكل عفوي، وليس بشكل مسبق، الصورة هي التي تختارني. الصورة التي تأخذ لبي وتبهرني هي صورتي، لأنها ليست عادية، كمثل الأشياء العادية.
٭ ما سر الوحدة والنسيج المتماسك ما بين لوحاتك الفوتوغرافية؟
- هذا النوع من التصوير يستهويني كثيراً. بعد أن اكتشفت موضوعاً محدداً جاءتني فكرة الوحدة... وحدة الأشياء. اكتشفت موضوعاً بالصدفة فمشيت فيه إلى النهاية. لا أحب أن أشتت جهدي. ناهيك عن أن الوِحدة في الأشياء تعطيك صورة من أوجه عديدة، وتمنحك الشعور بالكمال القائم ما بين الموضوع الواحد.
٭ إنها المتعة أيضاً... بالجمال؟
- فعلا، إنها المتعة بالجمال الخفي للأشياء التي تأخذني إلى هذه التشكيلات بإيحاءاتها اللامتناهية، بتصاميها المتنوعة. إنه النبع الذي يمكن أن نغرف منه إلى ما لا نهاية!
٭ لو صوّرتِ إنساناً ما الذي تتوقعين اكتشافه فيه من تشكيل؟
- العينان واليدان، العيون يمكن أن تقرأ من خلالها في جوانية الإنسان الكامنة، واليدان تقرأ فيهما أشياء عن ملامح الشخص التعبيرية.
بقلم :ايهاب عبد الحكيم
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
| RSS RSS 2.0 XML MAP HTML |
مواقع النشر (المفضلة)